جلال الدين السيوطي
283
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
إذا أوى إلى فراشه لا يضطجع حتى ينشد : لا يبرح المرء يستقري مضاجعه * حتى يبيت بأقصاهنّ مضطجعا وليس ينفكّ يستصفي مشاربه * حتى يجرّع من رنق البلى جرعا فامنع جفونك طول الليل رقدتها * واقرع حشاك لذيذ الري والشّبعا واستشعر البرّ والتقوى تعد بهما * حتى تنال بهنّ الفوز والرفعا ومن شعر خلف الأحمر يهجو أبا العيناء : لنا صاحب مولع بالمراء * كثير الخطا وقليل الصواب أشد لجاجا من الخنفساء * وأزهى إذا ما مشى من غراب وليس من العلم في قفرة * إذا حصّل العلم غير التراب أحاديث ألفها شوكر * وأخرى مؤلفة لابن دأب كان شوكر إنسانا بالبصرة يضع الأخبار والأشعار ، وكذا ابن دأب مثله . وأخرج الخطيب وابن عساكر عن الأصمعيّ « 1 » قال : قرأت على خلف الأحمر شعر جرير ، فلما بلغت قوله : ويوما كإبهام القطاة محبّب * إليّ هواه غالب ليّ باطله رزقنا به الصيد الغرير ولم يكن * كمن نبله مخرومة وحمائله فيا لك يوما خيره قبل شرّه * تغير واشيه وأقصر عاذله فقال خلف : ويله ، ما ينفعه حين نؤول إلى شرّ . فقلت : كذا قرأته على أبي عمرو . فقال لي : صدقت ، وكذا قاله جرير ، وكان قليل التنقّح مشرّد الألفاظ ، وما كان أبو عمرو ليقرئك إلا كما سمع . قلت : فكيف يجب أن يقول ؟ فقال : الأجود له لو قال : فيا لك يوما خيره دون شرّه فاروه هكذا ، فقد كانت الرواة قديما تصلح من أشعار القدماء . فقلت : والله لا أرويه بعدها إلا هكذا .
--> ( 1 ) لم نجد الخبر في تاريخ بغداد أو تاريخ دمشق .